مجموعة مؤلفين
76
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
بحيث يصبح في مستطاعه أن يواجه كل شئ في العالم بالجانب الذي يناسبه ساعة الإلهام ، فإذا قيل « جبل » - مثلا - اخترنا من موحياته الكثيرة معنى يلائم ما نحن فيه ، يساعدنا في هذا الاختيار ما في طبائعنا من خصوبة وغنى كما يساعدنا كذلك اللسان العربي الذي من مميزاته أن « يعطى التفهم بأدنى شئ من متعلقات التشبيه » ( انظر ص 105 ) فحسبنا أن يجئ الرمز مشيرا أدنى إشارة إلى المرموز له لندرك الباطن المنشود من وراء الظاهر . ويضيف ابن عربى إلى قواعده النظرية هذه ، مثلا تطبيقيا للطريقة التي يريد لشعر ديوانه أن يفهم بها ، إذ يروى حكاية جرت له في الطواف فيقول : « كنت أطوف ذات ليلة بالبيت ، فطاب وقتي ، وهزنى حال كنت أعرفه ، فخرجت من البلاط من أجل الناس ، وطفت على الرمل ، فحضرتنى أبيات ، فأنشدتها ، أسمع بها نفسي ومن يلينى ، لو كان هناك أحد ، وهي قوله : ليت شعري هل دروا * أىّ قلب ملكوا وفؤادي لو درى * أىّ شعب سلكوا أتراهم سلموا * أم تراهم هلكوا ؟ حار أرباب الهوى * في الهوى ، وارتبكوا فلم أشعر إلا بضربة بين كتفىّ بكف ألين من الخز ، فالتفتّ ، فإذا بجارية من بنات الروم . . . فقالت يا سيدي كيف قلت ؟ » . وأخذ ابن عربى يعرض الأبيات الأربعة السالفة ، بيتا بيتا ، فتعلق عليه الجارية الرومية الأديبة بما يبين ما فيه من تناقض المعنى ، ففي البيت الأول الأول لا يتفق أن يكون من ملك القلب جاهلا به ؛ وفي البيت الثاني لا يتفق أن يدرى الفؤاد شيئا عن الشّعب الذي سلكه الأحبة ، لأن الشعب هو الذي يحول دون أن يحصل الفؤاد على علم ، فكيف يكون الحائل دون العلم معلوما ؟ وفي البيت الثالث خطأ في توجيه السؤال ، لأن الأصح هو أن يسأل المحب نفسه عن نفسه إن كان قد سلم أو هلك بعد فراق أحبته ؛ وفي